ابن الجوزي

195

صفة الصفوة

أحمد بن أبي الحواريّ قال : سمعت أبا سليمان الداراني يقول : إذا ذكرت الخطيئة لم أحبّ الموت وقلت : أبقى لعلّي أتوب . أبو عمران ، موسى بن عيسى الجصّاص قال : قال أبو سليمان ردّ سبيل العجب بمعرفة النفس ، وتخلص إلى إجمام القلب « 1 » بقلة الخلطاء ، وتعرّض لرقة القلب بمجالسة أهل الخوف ، واستجلب نور القلب بدوام الحزن ، والتمس باب الحزن بدوام الفكرة ، والتمس وجوه الفكرة في الخلوات ، وتحرّز من إبليس بمخالفة هواك ، وتزيّن للّه بالإخلاص والصدق في الأعمال ، وتعرّض للعفو بالحياء منه والمراقبة ، واستجلب زيادة النّعم بالشكر ، واستدم النعم بخوف زوالها ، ولا عمل كطلب السلامة ، ولا سلامة كسلامة القلب ، ولا عقل كمخالفة الهوى ، ولا فقر كفقر القلب ، ولا غنى كغنى النفس ، ولا قوة كرد الغضب ، ولا نور كنور اليقين ، ولا يقين كاستصغار الدنيا ، ولا معرفة كمعرفة النفس ، ولا نعمة كالعافية من الذنوب ، ولا عافية كمساعدة التوفيق ، ولا زهد كقصر الأمل ، ولا حرص كالمنافسة في الدرجات ، ولا طاعة كأداء الفرائض ، ولا تقوى كاجتناب المحارم ، ولا عدم كعدم العقل ، ولا فضيلة كالجهاد ، ولا جهاد كمجاهدة النفس ، ولا ذل كالطمع ، ومن لم يحسن رعاية نفسه أسرع به هواه إلى الهلكة ، ولا ينفع الهالك نجاة المعصوم ، ومرارة التقوى اليوم حلاوة في ذلك اليوم « 2 » ، والهالك من هلك في آخر سفره وقد قارب المنزل ، والخاسر من أبدى للناس صالح عمله وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد . أحمد بن أبي الحواريّ قال : سمعت أبا سليمان يقول ، وسأله رجل فقال : يا أبا سليمان ما أقرب ما تقرّب به إليه ؟ فبكى ثم قال : مثلي يسأل عن هذا ؟ أقرب ما تقرّب به إليه أن يطّلع من قلبك على أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو . وسمعت أبا سليمان يقول : ربما أقمت في الآية الواحدة خمس ليال ولولا أني أدع الفكر فيها ما جزتها « 3 » أبدا ولربما جاءت الآية من القرآن تطيّر العقل فسبحان الذي رده إليهم .

--> ( 1 ) أي إراحته . ( 2 ) أي يوم القيامة . ( 3 ) أي ما تجاوزتها إلى غيرها .